الجصاص

577

أحكام القرآن

بين المسلمين ، قسمها بينهم على ثمانية عشر سهما " ، فلو كان الجميع ملكا للغانمين لما جعل نصفه لنوائبه وحاجته وقد فتحها عنوة ، ويدل عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم فتح مكة عنوة ومن على أهلها فأقرهم على أملاكهم ، فقد حصل بدلالة الآية وإجماع السلف والسنة تخيير الإمام في قسمة الأرضين أو تركها ملكا لأهلها ووضع الخراج عليها . ويدل عليه حديث سهل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : " منعت العراق قفيزها ودرهمها ، ومنعت الشام مداها ودينارها ، ومنعت مصر أردبها ودينارها ، وعدتم كما بدأتم " شهد على ذلك لحم أبي هريرة ودمه . فأخبر عليه السلام عن منع الناس لهذه الحقوق الواجبة لله تعالى في الأرضين وأنهم يعودون إلى حال أهل الجاهلية في منعها ، وذلك يدل على صحة قول عمر رضي الله عنه في السواد وأن ما وضعه هو من حقوق الله تعالى التي يجب أداؤها . فإن قيل : ليس فيما ذكرت من فعل عمر في السواد إجماع ، لأن حبيب بن أبي ثابت وغيره قد رووا عن ثعلبة بن يزيد الحماني قال : دخلنا على علي رضي الله عنه بالرحبة فقال : لولا أن يضرب بعضكم وجوه بعض لقسمت السواد بينكم . قيل له : الصحيح عن علي رضي الله عنه أنه أشار على عمر رضي الله عنه بترك قسمة السواد وإقرار أهله عليه ، ومع ذلك فإنه لا يجوز أن يصح عن علي ما ذكرت ، لأنه لا يخلو من خاطبهم علي بذلك من أن يكونوا هم الذين فتحوا السواد فاستحقوا ملكه وقسمته بينهم من غير خيار للإمام فيه ، أو أن يكون المخاطبون به غير الذين فتحوه ، أو خاطب به الجيش وهم أخلاط منهم من شهد فتح السواد ومنهم من لم يشهده ، وغير جائز أن يكون الخطاب لمن لم يشهد فتحه لأن أحدا لا يقول إن الغنيمة تصرف إلى غير الغانمين ويخرج منها الغانمون ، وأن يكونوا أخلاطا فيهم من شهد الفتح واستحق الغنيمة وفيهم من لم يشهده ، وهذا مثل الأول ، لأن من لم يشهد الفتح لا يجوز أن يسهم له وتقسم الغنيمة بينه وبين الذين شهدوه . أو أن يكون خاطب به من شهد الفتح دون غيره ، فإن كان كذلك وكانوا هم المستحقين له دون غيرهم من غير خيار للإمام فيه فغير جائز أن يجعل حقهم لغيرهم لأن بعضهم يضرب وجوه بعض ، إذ كان أتقى لله من أن يترك حقا يجب عليه القيام به إلى غيره لما وصفت ، وعلى أنه لم يخصص بهذا الخطاب الذين فتحوه دون غيرهم ، وفي ذلك دليل على فساد هذه الرواية . وقد اختلف الناس بعد ثبوت هذا الأصل الذي ذكرنا وصحة الرواية عن عمر في كافة الصحابة على ترك قسمه السواد وإقرار أهله عليه ، فقال قائلون : " أقرهم على أملاكهم وترك أموالهم في أيديهم ولم يسترقهم " ، وهو الذي ذكرناه من مذهب أصحابنا .